محمد بن جرير الطبري

221

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

لشيء ، ولا صلاح له الا بالطاعة التي يحفظ الله بها حقه ، ويمضى بها امره ، وينكل بها عن معاصيه ، ويوقف عن محارمه ، ويذب عن حرماته ، فمن أخذ بحظه منها كان لله وليا ولأمره مطيعا ، ولرشده مصيبا ، ولعاجل الخير وآجله مخصوصا ، ومن تركها ورغب عنها وحاد الله فيها أضاع نصيبه ، وعصى ربه ، وخسر دنياه وآخرته ، وكان ممن غلبت عليه الشقوة ، واستحوذت عليه الأمور الغاويه ، التي تورد أهلها أفظع المشارع ، وتقودهم إلى شر المصارع ، فيما يحل الله بهم في الدنيا من الذلة والنقمه ، ويصيرهم فيما عندهم من العذاب والحسرة . والطاعة راس هذا الأمر وذروته وسنامه وملاكه وزمامه ، وعصمته وقوامه ، بعد كلمه الإخلاص التي ميز الله بها بين العباد وبالطاعة نال المفلحون من الله منازلهم ، واستوجبوا عليه ثوابهم ، وفي المعصية مما يحل بغيرهم من نقماته ، ويصيبهم عليه ، ويحق من سخطه وعذابه ، وبترك الطاعة والإضاعة لها والخروج منها والادبار عنها والتبذل للمعصية بها ، أهلك الله من ضل وعتا ، وعمى وغلا ، وفارق مناهج البر والتقوى . فالزموا طاعه الله فيما عراكم ونالكم ، وألم بكم من الأمور ، وناصحوها واستوثقوا عليها ، وسارعوا إليها وخالصوها ، وابتغوا القربة إلى الله بها ، فإنكم قد رأيتم مواقع الله لأهلها في اعلائه إياهم وافلاجه حجتهم ، ودفعه باطل من حادهم وناواهم وساماهم وأراد إطفاء نور الله الذي معهم وخبرتم مع ذلك ما يصير اليه أهل المعصية من التوبيخ لهم والتقصير بهم ، حتى يؤول امرهم إلى تبار وصغار ، وذله وبوار ، وفي ذلك لمن كان له رأى وموعظه عبره ينتفع بواضحها ، ويتمسك بحظوتها ، ويعرف خيره قضاء الله لأهلها . ثم إن الله - وله الحمد والمن والفضل - هدى الامه لافضل الأمور عاقبه لها في حقن دمائها ، والتئام ألفتها ، واجتماع كلمتها ، واعتدال عمودها ،